السيد نعمة الله الجزائري
104
الأنوار النعمانية
في حديث نهج البلاغة وعليها يحمل ما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال التائب إذا لم يستبن عليه اثر التوبة فليس بتائب يرضي الخصماء ويعيد الصلوات ويتواضع بين الخلائق ويقي نفسه عن الشهوات ويهزل رقبته بصيام النهار ويصفر لونه بقيام الليل ويخمض بطنه بقلة الأكل ويقوس ظهره من مخافة النار ويذيب عظامه شوقا إلى الجنة ويرق قلبه من هول ملك الموت ويجفف جلده على بدنه بتفكر الآخرة فهذا اثر التوبة فإذا رأيتم العبد على هذه الصفة فهو تائب ناصح لنفسه . وعن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال جاءت امرأة إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقالت يا نبي اللّه امرأة قتلت ولدها هل لها من توبة ؟ فقال لها والذي نفس محمد بيده لو أنها قتلت سبعين نبيا ثم تابت وندمت ويعرف اللّه من قلبها انّها لا ترجع إلى المعصية ابدا لقبل اللّه توبتها وعفى عنها ، فانّ باب التّوبة مفتوح ما بين المشرق والمغرب وانّ التّائب كمن لا ذنب له . واما أوسط درجاتها وفوائدها فهي كثيره متفاوتة فمن تاب قبل موته بسنة وتلافى في تلك السنة مساوىء اعماله وأقبل على ما يوجب تصحيح آماله كان له من الدرجة أعلى ممّن تاب قبل موته بشهر ، وكذا من تاب قبل موته بشهر بالنّسبة إلى من تاب قبل موته بجمعة ، وهكذا ومقصودهم عليهم السّلام ترغيب الخلائق في التّوبة وبيان انّ التوبة مقبولة في كل حين الا ان يغرغر بروحه وتعاين الموت وأسبابه ، فانّ الأمور تصير عندها ضرورية ويكون حينئذ ملجأة إلى التوبة ، فمن هذا أغلق عنه بابها . قال بعض المفسرين ومن لطف اللّه بالعباد ان امر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرجلين ثم يصعد شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى الصّدر ثم ينتهي إلى الحلق ليتمكن في هذه المهلة من الأقبال بالقلب على اللّه والوصية والتوبة ما لم يعاين والأستحلال وذكر اللّه سبحانه فيخرج روحه وذكر اللّه على لسانه فيرجى بذلك حسن خاتمته وفّقنا اللّه وايّاكم للتوبة . فان قلت ذكرت ان الندم وهو تألم القلب اما هو التّوبة أو أعظم اجزائها ، وهذا التألم لا يكون بالاختيار فكيف يوصف بالوجوب ، قلت إن سببه تحقيق العلم بفوات المحبوب والتفكر فيما يترتب على ذلك الذّنب من العقاب ، فكلما تفكر وحقّق العلم زادت نيران قلبه واشتعلت ، وتحقيق هذا العلم وزيادة التفكر أمران اختياران فمن هذا وصف التألم بالوجوب لمكان الاختيار في أسبابه ، فصار الحاصل هو ان العاقل التائب ينبغي ان يكون توبته ممّا يوجب المقامات العالية ، بل ذكر بعض المحققين انّ التوبة واجبة في الأوقات على جميع الأشخاص ، وذلك انّ الإنسان لا يخلو عن اتّباع الشهوات وكل شهوة فعلها يرتفع منها ظلمة إلى القلب كما يرتفع من نفس